من التعليم العمومي إلى التعلم الذاتي كيف نظر نيتشه إلى ماهية المعرفة؟

نورالدين بوصباع
من التعليم العمومي إلى التعلم الذاتي
كيف نظر نيتشه إلى ماهية المعرفة؟
و ستصرخ ذات يوم: الكل باطل.
فريدريك نيتشه
ماهو أقصى شيء يمكن أن نستفيده من التعليم العمومي؟ واية معارف وقيم و افكار وتمثلات يمكن أن نجنيها من التعليم والتي يمكنها ان تعبد طريقنا نحو الحقيقة لا الوهم المغلف بالايديولوجيات و البيداغوجيات والسرديات المخاتلة الموجهة لتأطير وعي تبعي ومستلب و يكرس الى حد بعيد ثنائية العبد والسيد الذي يمتلك بيد من حديد السلطة القهرية بنوعيها المادية والرمزية؟
نظر نيتشه إلى التعليم العمومي بكثير من السخرية و الاستخفاف لأنه تعليم ببغائي واجتراري ويكرس المقولات والديناميات الاجتماعية التي تسعى للمحافظة على استمرارية النظم المنتفعة من الوضع وما تجنيه من خلاله من منافع و مصالح وامتيازات بينما السواد الاعظم من المتعلمين الذين يستفيدون من هذا التعليم والذين كثيرا ما يلتحقون بمؤسسات اجتماعية أخرى كثيرا مايعيدون إنتاج نفس القيم التي لا تخرج عن التبعية والاجترار و التحلل داخل سياق لا يتغير.
تعمق نيتشه في فهم ماهية المعرفة التي ترتقي بالانسان إلى اكتشاف الحقيقة وتحقيق التسامي المفضي على الانسان الكامل دفعه إلى الدعوة إلى تخطي المدرسة العمومية ومن وراءها التعليم العمومي و إلى التمرد عليه مادام الهدف منه هو تكريس القطيعية و الامتثال و اجترار المنظومات والأطر المعرفية الموغلة في الثبات والاستمرارية.
صاحب كتاب” هكذا تكلم زرادشت” العظيم نيتشه الفيلسوف المجنون و المستهام بالانعتاق من غسق الأوثان والأصنام التي توارثها الانسان وشكلت ذهنيته وحددت مجال تفكيره و افق انتظاره فحقق بذلك طمأنينته الوجودية وراحته التي تعد تقبل أي نقد أو تأويل أو إعمال للعقل.
إدراك نيتشه بقصور تفكيرنا بسبب سيطرة الميتافزيقا من جهة أولى و سيطرة الفضلاء على إنتاج منظومة تفكيرنا من جهة ثانية جعله يفكر بشكل جذري وربما بشكل عنيف جعله ينزل مطرقته بشكل أكثر قوة على سندان الواقع الموغل في إنتاج وإعادة إنتاج قيم التبعية والاستيلاب عن طريق اغتيال العقل و تحنيطه بالمقولات والخطابات اللاهوتية والايديولوجية وهذا ما أفرز لنا إنسانا منقوص الانسانية و قاصر التفكير والعقل.
عوض التفكير في التمرد على المدرسة العمومية دعا نيتشه إلى التعلم الذاتي لأنه التعلم الذي يتجاوز التعليم العمومي المؤسس على التعليم بالأهداف وهي الأهداف التي يراها نيتشه أهدافا تسلطية وقهرية و مفروضة ولاتسمح لا بالنقد ولا باستخدام العقل إلا إذا كان نقدا ينبني على العقل البياني أو العرفاني.
نيتشه المجنون الذي سخر كل حياته لتحطيم الأوثان والاوصنام لم يهدف سوى على استعادة الهوية الأصيلة للانسان وهي وعيه المتنور وتفكيره الجواني الذي يبتدا وينتهي عند إدراك الانسان لماهيته بعقله النقدي و وعيه الذي لم تعكره التمثلات و المقولات والخطابات.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *